مجمع البحوث الاسلامية
614
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مؤبّدا مخلّدا . وإذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتّقسيم بهذين القسمين ، لم يكن نصّا في التّأبيد ، فإذن هذا التّأبيد لا يستفاد من ظاهر الآية ، بل من دلالة منفصلة . وثالثها : أنّ قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ خطاب مشافهة ، فيخصّص بأولئك الحاضرين ، فإثبات هذا التّحريم في حقّ الكلّ إنّما يستفاد من دليل منفصل . ورابعها : أنّ قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إخبار عن ثبوت هذا التّحريم في الماضي ، وظاهر اللّفظ غير متناول للحاضر والمستقبل ، فلا يعرف ذلك إلّا بدليل منفصل . وخامسها : أنّ ظاهر قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ يقتضي أنّه قد حرّم على كلّ أحد جميع أمّهاتهم وجميع بناتهم . ومعلوم أنّه ليس كذلك ، بل المقصود أنّه تعالى قابل الجمع بالجمع ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، فهذا يقتضي أنّ اللّه تعالى قد حرّم على كلّ أحد أمّه خاصّة ، وبنته خاصّة ، وهذا فيه نوع عدول عن الظّاهر . وسادسها : أن قوله : ( حرّمت ) يشعر ظاهره بسبق الحلّ ؛ إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله : ( حرّمت ) تحريما لما هو في نفسه حرام ، فيكون ذلك إيجاد الموجود ، وهو محال ؛ فثبت أنّ المراد من قوله : ( حرّمت ) ليس تحديد التّحريم حتّى يلزم الإشكال المذكور ، بل المراد الإخبار عن حصول التّحريم ؛ فثبت بهذه الوجوه أنّ ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب ، واللّه أعلم . المسألة الثّانية : اعلم أنّ حرمة الأمّهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السّلام إلى هذا الزّمان ، ولم يثبت حلّ نكاحهنّ في شيء من الأديان الإلهيّة ، بل أنّ زرادشت رسول المجوس قال بحلّه ، إلّا أنّ أكثر المسلمين اتّفقوا على أنّه كان كذّابا . أمّا نكاح الأخوات فقد نقل أنّ ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السّلام ، وإنّما حكم اللّه بإباحة ذلك على سبيل الضّرورة . ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك ، وقال : إنّه تعالى كان يبعث الحواري من الجنّة ليزوّج بهنّ أبناء آدم عليه السّلام ، وهذا بعيد ، لأنّه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنّة ، فحينئذ لا يكون هذا النّسل من أولاد آدم فقط ، وذلك بالإجماع باطل . وذكر العلماء أنّ السّبب لهذا التّحريم : أنّ الوطء إذلال وإهانة ، فإنّ الإنسان يستحيي من ذكره ولا يقدم عليه إلّا في الموضع الخالي ، وأكثر أنواع الشّتم لا يكون إلّا بذكره ، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمّهات عنه ، لأنّ إنعام الأمّ على الولد أعظم وجوه الإنعام ، فوجب صونها عن هذا الإذلال ، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه ، قال عليه الصّلاة والسّلام : « فاطمة بضعة منّي » فيجب صونها عن هذا الإذلال ، لأنّ المباشرة معها تجري مجرى الإذلال ، وكذا القول في البقيّة ، واللّه أعلم . ( 10 : 24 ) نحوه ملخّصا النّيسابوريّ . ( 5 : 5 ) أبو حيّان : لمّا تقدّم تحريم نكاح امرأة الأب على ابنه وليست أمّه ، كان تحريم أمّه أولى بالتّحريم . وليس هذا من المجمل بل هذا ممّا حذف منه المضاف ، لدلالة